كيف تركز وتزيد من إنتاجيتك

 لن تتمكن مطلقًا من التفكير بوضوح أو حل المشكلات، أو اتخاذ القرارات أو تذكر الأشياء، حتى تتعلم كيفية التركيز. هذا الأخير مهارة مهمة، لكن الحفاظ عليه أثناء القيام بعمل معين أصبح أصعب وأصعب. قد تأتيك سمفونية إشعارات من هاتفك أو حاسبك، تسحبك مما كنت تفعله في رمشة عين.

في كل مرة يسرح فيها عقلك بعيدا عن العمل الذي تقوم به، عليك أن تضيع وقتا وطاقة لتعود إلى مسار العمل الصحيح. وقد توصلت دراسة حديثة في جامعة كاليفورنيا إلى أن العودة، بعد فترة انقطاع، إلى التركيز على المهمة التي كنت بصدد القيام بها يستغرق ما يقدر متوسطه ب 25 دقيقة و26 ثانية.  وهذا يعني أنه في كل مرة يلفت شيء ما انتباهك ويصرفك عن عملك، تفقد ما يقرب من نصف ساعة من وقتك الثمين.

لا بد أن تحدث الانقطاعات، ولكن عندما تحدث عدة مرات في اليوم، فإنك ستضيع الكثير من الوقت والطاقة.

ستتعرف في هذا الدليل على مزيد من المعلومات حول سبب صعوبة التركيز وما يمكنك فعله للحد من أسباب الإلهاء وزيادة الإنتاجية والرفع من تركيزك.

ما الذي يجعل التركيز صعبا؟ 

الجسم السليم:

كل شيء يصبح أكثر صعوبة عندما تشعر بالمرض أو التعب. إن لم تحصل على قسط كافٍ من النوم في الليلة السابقة، فلا بد أن يسهو عقلك.من المفترض أن تكون الأجسام البشرية في حالة حركة، لكن الكثير منا يعيش حياة كسولة قليلة الحركة. وعدم القيام بما يكفي من التمارين هو سبب آخر شائع قد يفقدك التركيز بسرعة. لأن التمارين تساعد الجسم على تنظيم الهرمونات ومعالجة الأنسولين، كما أنها تخفف من أعراض الاكتئاب والقلق. وقد وجدت دراسة بريطانية أن أداء الأشخاص في العمل يكون أفضل في الأيام التي يمارسون فيها الرياضة.

ما تأكله وتشربه يمكن أن يلعب دورًا كبيرًا في استقرارك في عملك. ابدأ بالحفاظ على جسدك رطبا بشكل صحيح. لأن حوالي 60 في المئة من جسمك تتكون من الماء. إذا كنت تعاني من الجفاف، ستشعر بالبطء الشديد والإجهاد، ولن يتمكن دماغك من العمل بالشكل الصحيح.

الاضطرابات الهضمية وبكتيريا الأمعاء غير المتوازنة مضرة جدا بغض النظر عما تفعله. إن الجهاز الهضمي المضطرب يجعلك غير مرتاحا، لكنه يمنعك أيضًا من الاستفادة من جميع العناصر المغذية في طعامك. هذا يعني أنه حتى وإن كنت تأكل جيدًا، فقد لا تحصل على التغذية اللازمة التي تساعدك على التركيز والمحافظة عليه.

على سبيل المثال، الفيتامينات “ب” ضرورية لعملية الهضم وأجسامنا تستنفدها بسرعة عند التعرض للإجهاد. ومن المؤكد أن النقص في هذه الفيتامينات سيشعرك بضبابية التفكير وصعوبة التركيز.

دماغ عاطفي:

الكل يعرف مدى صعوبة التركيز عندما تكون قلقًا بشأن شيء آخر. إن جهازك النطاقي أو الحوفي(منطقة في الدماغ)، والذي يعتبر مركز كل مشاعرك وذكرياتك، يربط المشاعر بكل شيء. واستنادًا إلى دراسة أجرتها أستاذة الإدارة في جامعة بوند، سينثيا فيشر، فإن هناك بعض المشاعر الشائعة في العمل التي تبين أنها تؤثر على جودة الأداء:

إن الطريقة التي تشعر بها تجاه عملك يمكن أن تدمر إنتاجيتك وتركيزك إذا كانت لديك وجهة نظر سلبية. من المفيد جدا أن تأخذ بعض الوقت لتتعرف على نفسك بطريقة أفضل، حتى تتمكن من معرفة الأسباب التي تؤدي إلى ردود الفعل العاطفية وفقدان التركيز.

من أفضل الأشياء التي يمكنك القيام بها هي غمر حياتك بالإيجابية. عندما يثير عملك مشاعر إيجابية، ستكون أكثر اهتمامًا بما تفعله، وسيكون من الأسهل مواصلة التركيز على المهمة.

الكثير من وسائل الإلهاء:

نحن محظوظون لأن لدينا كل هذه التكنولوجيا في متناول أيدينا، ولكن هذه التطورات سلاح ذو حدين. لأن كل تلك المكالمات الهاتفية والرسائل النصية ورسائل البريد الإلكتروني وإشعارات وسائل التواصل الاجتماعي، تهدد بتعطيل تركيزك أثناء عملك.

وجدت دراسة أجريت عام 2012 في معهد ماكينزي العالمي أن الأشخاص يقضون ما يقارب 13 ساعة أو 28 في المئة من أسبوع العمل في إدارة رسائل البريد الإلكتروني. هذا لا يعني أن كل الوقت الذي نقضيه في استعمال التكنولوجيا غير منتج. لكن الأمر فقط أن معظمنا يواجه صعوبة في ترتيب رسائل البريد الواردة والإشعارات بحيث لا تسحبنا من مهام أخرى. كما ذكرنا، يستغرق الأمر 25 دقيقة و26 ثانية لاستعادة التركيز في المتوسط، فوسائل الإلهاء مكلفة.

تعدد المهام خلال اليوم:قد تظن أنك أكثر نجاعة عند القيام بمهام متعددة، لكن اعلم أن حوالي  2 في المئة فقط من السكان يمكنهم إنجاز مهام متعددة في نفس الوقت وبشكل فعال. وَصْفُ “جيمس كلير”James Clear  للأمر يقدم أفضل شرح لأسطورة تعدد المهام:

بالنسبة إلى 98 في المئة الأخرى من الناس، فإنهم يعملون (عدة مهام في نفس الوقت) بثلاث طرق مختلفة:

  • يقومون بشيئين في نفس الوقت.
  • يقومون بالمرور إلى مهمة جديدة دون إكمال المهمة الأولى التي كانوا يعملون عليه.
  • يبدلون بسرعة بين المهام، مما يوهمهم بأنهم من بين 2 في المئة القادرين على إنجاز عدة مهام بفعالية في الوقت ذاته.

الأدمغة البشرية ليست مصممة للقيام بهذا النوع من الخلط المعرفي. وينتهي بها الأمر في نهاية المطاف إلى حدوث ظاهرة تجعلك تفكر بشكل متواصل في شيء آخر يجب عليك إنجازه بينما تقوم بمهمة أخرى.

إذا كنت ممن يتشتت انتباههم بشأن ذلك الشيء الآخر، فاعلم أنك تعاني من آثار محاولاتك القيام بكل شيء في الآن ذاته. قد يكلفك التنقل بين المهام باستمرار حوالي 40 في المئة أو 16 ساعة من أسبوع العمل. هذا يشبه رمي يومين من كل أسبوع عمل في سلة المهملات.

قد يؤدي تعدد المهام هذا إلى جعلك تعمل كما لو كنت قد فقدت 10 إلى 15 نقطة في درجة ذكائك. بغض النظر عن مدى ذكائك، فهذا انخفاض كبير في فعاليتك. وقد شبهت دراسة في جامعة لندن هذا الأمر بفقدان ليلة كاملة من النوم.

ستزدهر إذا استطعت أن تتعلم كيف تركز وتخصص الوقت للعمل العميق. ستحتاج إلى تخصيص فترات من الوقت خالية تمامًا من كل إلهاء، مثل الرسائل الإلكترونية وغيرها إذا كنت تريد أن تكون أكثر فعالية.

كيف تستطيع التركيز في عالم يشتت الانتباه؟ 

بعض الحيل لمعالجة أسباب الإلهاء 

1. خصص وقتا للعمل دون انقطاع:

تأكد من جدولة وقت لنفسك حيث يمكنك التركيز على المهام الخاصة بك في هدوء تام ودون انقطاع. أخبر الأشخاص أنك لن تستجيب إلا في حالة الضرورة القصوى. اجعل الأمر كأنه اجتماع مع نفسك وتصرف كما هو الحال عند جدولة اجتماع مهم مع الآخرين.

فعل وضع “مشغول” على تطبيقات المراسلة. ارتد سماعات الأذن (حتى وإن لم تكن تستمع لشيء) فقط لتُظهر أنك مركز في عملك. إن تخصيص هذه الفترة من العمل الجيد المتواصل، عن قصد، سيساعدك على التركيز ويجعل الآخرين أكثر ترددًا بشأن محاولة مقاطعتك.

2. رسائل البريد الإلكتروني المتواصلة:

يمكن أن ترد الرسائل الإلكترونية إلى بريدنا باستمرار طوال اليوم، ومن المغري جدا الاستجابة لها بمجرد أن نتوصل بها. لذلك وعلى غرار تخصيص وقت محدد للتركيز، خصص وقتا للتعامل مع الرسائل الإلكترونية في آن واحد.

يؤدي القيام بذلك إلى زيادة الإنتاجية والحفاظ على الانتظام في التعامل مع رسائل البريد الإلكتروني. إذا لاحظت أن كل رسالة جديدة ما تزال تشتت انتباهك بسهولة، فيمكنك تثبيت تطبيقات تمكنك من إيقاف إشعارات البريد في أوقات محددة.

3. تحويل التكنولوجيا من إلهاء إلى أداة مفيدة:

في هذه الأيام، يشعر الكثير من الناس بالسيطرة على التكنولوجيا وهواتفهم إلى حد ما، لذا استفد من خيارات التعطيل التي توفرها لك. أطفئ تنبيهات البريد الإلكتروني وإشعارات التطبيقات وعدل هاتفك للانتقال مباشرةً إلى البريد الصوتي أو حتى برمجة إجابات تلقائية للرسائل النصية الواردة.

هناك أيضًا بعض التطبيقات الرائعة حقًا والتي تشجعك على أن تكون أكثر إنتاجية وأقل تشتتًا بسبب هاتفك. فورست (Forrest) هو أحد التطبيقات التي تكافئك في كل مرة تقوم فيها بالتركيز بشكل جيد، مما يحفزك بطريقة ممتعة ويشجعك على ترك هاتفك جانبا.

4. جدولة وقت للاستراحة:

جدولة وقت للراحة هو بنفس أهمية جدولة وقت التركيز.

كشفت دراسة أجرتها شركة مجموعة دروجيم Draugiem Group للتواصل الاجتماعي أن الفواصل المنتظمة بين فترات العمل كانت مفتاح الإنتاجية. وبشكل أكثر تحديدًا، قضى الموظفون الأكثر إنتاجًا 52 دقيقة من العمل متبوعًا بفاصل 17 دقيقة في كل مرة.

هذا يعود إلى قدرة الدماغ على البقاء محفزًا، فلا يمكنه أن يستمر في التركيز لفترات طويلة. متوسط ​​فترة الانتباه بالنسبة لشخص بالغ تتراوح ما بين 15 و40 دقيقة، بعد ذلك، تصبح المغريات أكثر قوة وينقص التحفيز. لذا، وفي حين يبدو لنا أن أخذ استراحة ذهنية غير منتج، فإنه يجعل الدماغ أكثر فعالية تجاه المهمات، على المدى الطويل.

تقنيات لتدريب عقل أكثر تركيزا:

5.توقع احتياجاتك الداخلية: 

قد تظن أن ما يشتت انتباهك آت من الخارج دائما وهو ما يجعلك غير منتج، ولكن في الواقع 44 في المئة من أسباب الإلهاء تكون داخلية. فكر في الأمر، ربما لعب الجوع والملل والضغط وقلة النوم دوراً في فقدانك للحافز والنشاط مرات عديدة.

والخبر السار هو أنه يمكنك التحكم في هذه العوامل من خلال فهم أنماطك والتخطيط للمستقبل. هل تشعر دائمًا بالنعاس بعد الظهر؟ هل تحس بالجوع على الساعة الحادية عشر صباحا تقريبا؟ هل يصيبك الملل في نهاية اليوم؟ إن ملاحظة هذه الأنماط والتصدي لها هي طريقة رائعة لتصبح أقل تشتتا بسببها.

زاوج في أكثر الأحيان بين مهامك حتى تناوب بين تلك المملة والأخرى المثيرة للاهتمام. احتفظ بوجبة خفيفة بالقرب منك عندما تحس بالجوع. قم بالجري السريع صعودا ونزولا على الدرج لرفع مستوى نشاطك.

6. ممارسة التأمل:

يدرب التأمل عقلك على تحديد الأفكار التي تنشأ فيه طوال اليوم. عندما يتعلق الأمر بالإلهاء وتشتت الانتباه، يمكن أن يساعدك فهم هذه اللحظات وملاحظتها على التعامل معها بسرعة أكبر وزيادة فترة انتباهك.

يمكنك ممارسة التأمل في أي وقت. وقد تساعدك الأشياء التالية أيضا: أثناء تناولك لطعامك، لاحظ طبيعته ومذاقه وشكله وكيف تشعر عند تناوله. عند القراءة، تشرب بحماس كل كلمة، أو أثناء المشي لاحظ كيف يشعر جسدك وتفاصيل المحيط حولك.

إن القيام بذلك كل يوم بشكل منتظم، سوف يدرب عقلك في نهاية المطاف على نفس درجة التركيز والانتباه عندما يتعلق الأمر بالمجالات الأخرى التي تظهر فيها الأفكار المُشتتة، مثل مهمة في العمل.

7. ممارسة الرياضة بانتظام:

ليس التمرين جيدًا للجسم فحسب بل إنه مفيد أيضًا للدماغ. ممارسة الرياضة تحفز الخلايا العصبية في الدماغ مما يجلك أكثر يقظة واستعدادا للتركيز. هذا يعني أنها تزيد من قدرتك على تجاهل ما يشتت انتباهك والمضي قدما بالمهمة المطلوبة.

يمكنك القيام بتمرينات رياضية في الصباح والتوجه مباشرة بعدها إلى العمل مع التأكد من أنك قد خصصت وقت التركيز قبل كل شيء. سوف تفاجأ بمدى التحفيز الذي تشعر به ومقدار العمل الذي ستنجزه. إذا كنت تعتقد أنك مشغول جدًا للقيام بأي تمارين، فإليك كيفية العثور على وقت للتمارين:

8. قم بتدريبات الإرادة:

مثلما تحتاج عضلاتك للتمرين، فإن قوة الإرادة لديك تحتاج كذلك إلى تعزيز قوتها. تحديد عادات يومية للتحكم في النفس يدرب عقولنا على فن السيطرة في العديد من المجالات الأخرى.

في كتاب قوة الإرادة لجون ترني و روي باوميستر، يستشهد ترني بدراسة طالب فيها الطلاب بمراقبة وضعية جلوسهم لمدة أسبوع. في نهاية هذا الأسبوع، كان أداء هؤلاء الطلاب أفضل في مهام التحكم في النفس (مهام لم تكن لها علاقة بالجلوس مستقيما) من مجموعة أخرى لم يكن الطلاب فيها مطالبين بوضع وضعية الجلوس في اعتبارهم.

من التمارين الجيدة لتنمية قوة الإرادة مشاهدة الطريقة التي تتحدث بها. ابذل مجهودًا كي لا تستخدم اختصارات الكلمات، أي محاولة قول “نعم” بدلاً من “أها”. تحدث بجمل كاملة وتجنب قصير الكلمات المتداولة حتى بلغة أجنبية كقول “nah” بدلاً من “لا”.

تمرين آخر، حاول فيه استخدام يدك بدل الأخرى المسيطرة (اليمنى إذا كنت أعسر أو العكس) في المهام. والهدف من ذلك هو حث عقلك على استخدام جهد ذهني للقيام بالأمر، وكلما زاد هذا الجهد، زادت قدرة عقلك على بناء قوة إرادة صلبة.

9. روتين صلب للحفاظ على التركيز:

ليس عليك أن تتساءل عن كيفية التركيز إذا شكلت روتينًا مسبقا يغنيك عن ذلك. ووجود عادات ممتازة يؤدي إلى روتين منتج يوفر لك الكثير من الوقت ويساعدك على التركيز.

إن العثور على الروتين اليومي الصحيح واعتماده سيساعدك على استعادة الوقت الضائع. سوف يشكرك عقلك وجسمك على تقليل نسبة القلق وستزيد إنتاجيتك بشكل كبير.

أنت تعرف الآن السبب وراء صعوبة البقاء مركزا والخطوات التي يمكنك اتخاذها لمواصلة مهمة بتركيز ونجاعة.

ابدأ بتقويم صحتك الجسدية واحتياجاتك العاطفية. حدد ما يشتت انتباهك وبرمج المهام، مثل إدارة البريد الإلكتروني، حسب أوقات محددة في يومك. إذا كنت من المدمنين على القيام بالمهام المتعددة، فقد حان وقت التوقف عن هذه العادة والتركيز على شيء واحد في كل مرة.

وقبل كل شيء، طور العادات المنتجة التي تؤدي إلى روتين فعال بحيث يصبح التركيز العميق هو القاعدة بالنسبة لك. لديك جميع الأدوات التي تحتاجها لمعرفة كيفية التركيز على الأشياء التي تهمك أكثر. حان الوقت لإعطاء عملك اهتمامك الكامل.

اقرأ أيضاً: كيف تتغلب على العادات السيئة

اقرأ أيضاً: كيف تطور مهاراتك في الملاحظة وتتعلم الاِنتباه

اقرأ أيضاً: مهارات إدارة الوقت

شارك الموضوع

مناقشات

تعليقات